عبد الرحمن بن أحمد الحنبلي البغدادي الدمشقي
29
الذيل على طبقات الحنابلة
عند رأسي سورة يس ، فقرأتها ، فجعل يدعو الله وأنا أؤمن ، فقلت : ههنا دواء قد عملناه تشربه ؟ فقال : يا بنيّ ما بقي إلا الموت ، فقلت : ما تشتهي شيئاً ؟ قال : أشتهي النظر إلى وجه الله تعالى . فقلت : ما أنت عني راض ؟ قال : بلى والله ، أنا عنك راض وعن إخوتك ، وقد أجزت لك ولإخوتك ولابن أختك إبراهيم . قال : وسمعت أبا موسى يقول : أوصاني أبي عند موته : لا تضيعوا هذا العلم الذي تعبنا عليه - يعني الحديث - فقلت : ما توصي بشيء ؟ قال : مالي على أحد شيء ، ولا لأحد علي شيء . قلت : توصيني بوصية . قال : يا بني ، أوصيك بتقوى الله ، والمحافظة على طاعته . فجاء جماعة يعودونه فسلموا عليه فرد عليهم ، وجعلوا يتحدثون ، ففتح عينيه وقال : ما هذا الحديث ؟ اذكروا الله تعالى ، قولوا : لا إله إلا الله ، فقالوها ، ثم قاموا . فجعل يذكر الله ، ويحرك شفتيه بذكره ، ويشير بعينيه ، فدخل رجل فسلم عليه ، وقال له : ما تعرفني يا سيدي ؟ فقال : بلى ، فقمت لأُناوله كتاباً من جانب المسجد ، فرجعت وقد خرجت روحه . وذلك يوم الاثنين الثالث والعشرين من شهر ربيع الأول من سنة ستمائة . وبقي ليلة الثلاثاء في المسجد ، واجتمع الغد خلق كثير من الأئمة والأمراء ما لا يحصيهم إلا الله عز وجل ، ودفناه يوم الثلاثاء بالقرافة ، مقابل قبر الشيخ أبي عمرو بن مرزوق في مكان ذكر لي خادمه عبد المنعم أنه كان يزور ذلك المكان ، ويبكي فيه إلى أن يبل الحصى ، ويقول : قلبي يرتاح إلى هذا المكان رحمه الله ورضي عنه ، وألحقه بنبينا محمد صلى الله عليه وسلم . قلت : ووقع لابن الحنبلي في وفاته وهم ، فقال : سنة خمس وتسعين وخمسمائة . ورثاه غير واحد ، منهم الإِمام أبو عبد الله محمد بن سعد المقدسي الأديب بقصيدة طويلة ، أولها : هذا الذي كنت يوم البين أحتسب * فليقض دمعي عنك بعض ما يجب